محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

533

بدائع السلك في طبائع الملك

الأطعمة المستطابة والحازم يفرح به ويود زيادته . من أراد أن يشجى حاسده من غير حجة تلحقه ، فليزدد في الفضيلة التي حسده عليه . المسألة الحادية عشرة : من المتعظ به في عود مضرة الحسد على صاحبه ما يحكى : أن رجلا كان يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك ويقول : أحسن إلى المحسن باحسانه ، والمسئ ستكفيه مساويه ، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام ، فسعى به إلى الملك فقال : ان هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول ، بزعم أن الملك أبخر . فقال له الملك : وكيف يصح ذلك عندي قال : تدعو به إليك ، فإذا دنا منك ، وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر . فقال له : انصرف حتى أنظر ، فخرج من عند الملك ، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم ، فخرج الرجل من عنده ، وقام بحذاء الملك . فقال : أحسن إلى المحسن باحسانه ، والمسئ ستكفيك مساويه فقال له : الملك ادن مني ، فدنا منه ، فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم . فقال الملك في نفسه : ما أرى فلان ، الا وقد صدق . قال ، وكان الملك لا يكتب بخطه الا جائزة أو صلة ، فكتب له كتابا بخطه إلى عامل من عماله : إذا أتاك حامل كتابي هذا ، فاذبحه واسلخه ، واحش جلده تبنا ، وأبعث به اليّ . فأخذ الكتاب ، وخرج ، فلقيه الرجل الذي سعى به . فقال : ما هذا الكتاب ؟ قال : خط الملك لي بصلة فقال : هبه لي فقال : هو لك ؛ فأخذه ، ومضى إلى العامل . فقال العامل : في كتابه أن أذبحك وأسلخك . قال : ان الكتاب ليس هو لي ، الله الله في أمري ، حتى أرجع إلى الملك . فقال : ليس لكتاب الملك مراجعة ، فذبحه ، وسلخه ، وحشا جلده تبنا ، وبعث به . ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته وقال مثل قوله ، فعجب الملك . وقال : ما فعل الكتاب ؟ فقال : لقيني فلان فاستوهبني إياه ، فوهبته . فقال الملك : انه ذكر لي أنك تزعم أني ابخر قال : ما قلته قط قال : فلم وضعت يدك على فيك لم أدنيتك وقربتك ؟ قال : كان أطعمني طعاما فيه